صديق الحسيني القنوجي البخاري
101
فتح البيان في مقاصد القرآن
في الحجر » وذكر حديث المعراج بكماله ومن ابتدائية ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليها فقال إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وهو بيت المقدس ، وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام فهو أبعد بالنسبة إلى من بالحجاز وفي تاريخ القدس إنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد ، وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث ، وقيل لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ، وفي ذلك في تربية معنى التنزيه والتعجب ما لا يخفى . وأول من بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة كما في المواهب . فهو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة ، وتمام حاله في كتابنا لقطة العجلان فيما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان . وكان الإسراء به ببدنه في اليقظة وكان قبلها في المنام كما أنه رأى فتح مكة سنة ست وتحقق منه سنة ثمان ؛ والحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس دون العروج به من مكة لأنه محشر الخلائق فيطؤه بقدمه ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدمه أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء ، فأراد أن يشرفهم بزيارته صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، أو ليخبر الناس بصفاته فيصدقوه في الباقي ، قاله الكرخي والوجه الأخير أظهر واللّه أعلم . ثم وصف المسجد الأقصى بقوله الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ بركة دنيوية وهي ليست إلا حول الأقصى ، وأما في الداخل فالبركة في كل من المسجدين بل هي في الحرام أتم ، وهي كثرة الثواب بالعبادة فيهما ، وعبارة الخازن يعني بالثمار والأنهار والأشجار أو بالأنبياء والصالحين لأنه قبلتهم قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وسماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ، وإليه تحشر الخلق يوم القيامة ، فقد بارك اللّه سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة . قال السدي : المعنى أنبتنا حوله الشجر وجعل الإسراء إليه كالتوطئة لمعراجه إلى السماء . ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا أي ما أراه اللّه سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل ، ومن تبعيضية وإنما أتى بها تعظيما لآيات اللّه ، فإن الذي رآه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان جليلا عظيما فهو بعض بالنسبة إلى آيات اللّه تعالى وعجائب قدرته وجليل حكمته ، قال أبو شامة والرؤية هنا بصرية وقيل قلبية ، وإليه نحا ابن عطية . إِنَّهُ سبحانه هُوَ السَّمِيعُ بكل مسموع ، ومن جملة ذلك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الْبَصِيرُ بكل مبصر ، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله ، قيل في هذه الآية أربعة التفاتات ، وذلك أنه التفت أولا من الغيبة في قوله الذي أسرى بعبده إلى التكلم في قوله بارَكْنا حَوْلَهُ .